
تحليل سياسي يكتبه :محمد أبوزيد
في لقاء حاد جمعه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض قبل أيام،صرخ الرئيس الأمريكي في وجه زلينسكي قائلاً: “أنت تشعل حربًا عالمية ثالثة”.
هذا التصريح جاء متزامنًا مع تلميحات متكررة من ترامب إلى إمكانية انسحاب الولايات المتحدة من الناتو، متذرعًا بأن بلاده تتحمل العبء الأكبر في التحالف دون مقابل عادل، في المقابل، لا يخفي ترامب إعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو موقف يثير القلق في أوروبا، خاصة بين الدول التي تعتمد على المظلة الأمنية الأمريكية.
وسط هذا المشهد، سارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى استقبال زيلينسكي بحرارة في باريس، ليؤكد أن فرنسا وأوروبا لن تتخليا عن أوكرانيا، وهي رسالة بدت كتعويض عن موقف أمريكي غامض ومتردد. لكن ماكرون لم يكتفِ بتقديم الدعم السياسي والدبلوماسي، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بإطلاق تصريحات غير مسبوقة، تضمنت تهديدًا صريحًا باستخدام السلاح النووي للدفاع عن أوروبا ضد روسيا.
تصعيد غير مسبوق.. ما الذي يريده ماكرون؟
تصريحات ماكرون جاءت في سياق حديثه عن استعدادات روسيا المستقبلية، حيث كشف عن تقديرات استخباراتية تشير إلى أن موسكو تخطط لحشد 3 ملايين جندي وإنتاج 4,000 دبابة بحلول عام 2030، وهي أرقام تعكس حجم التهديد الذي ترى فيه فرنسا وأوروبا تحديًا وجوديًا لأمن القارة.
لكن أخطر ما في خطاب ماكرون لم يكن فقط التحذير من الخطر الروسي، بل حديثه عن وجوب استعداد أوروبا للدفاع عن نفسها سواء بوجود الولايات المتحدة أو بدونها. هذه الجملة تحمل دلالات عميقة، فهي ليست مجرد رسالة تحدٍ لروسيا، بل أيضًا تلميحًا إلى إمكانية فك الارتباط الأوروبي الأمريكي في الملف الأمني، وهو تحول قد يغير موازين القوى عالميًا.
هل يسعى ماكرون لزعامة أوروبا؟
منذ سنوات، يحاول ماكرون ترسيخ نفسه كقائد أوروبي بارز، خاصة مع تراجع الدور الألماني بسبب الأزمات الداخلية في برلين. في هذا السياق، يمكن قراءة تصريحاته الأخيرة على أنها محاولة لملء الفراغ القيادي في أوروبا، خاصة بعد تصاعد الشكوك حول التزام الولايات المتحدة بحماية القارة.
لكن السؤال الأهم: هل تستطيع فرنسا قيادة أوروبا عسكريًا؟
هنا تظهر الفجوة الهائلة بين القدرات العسكرية الفرنسية والروسية. فبينما تمتلك فرنسا جيشًا حديثًا وقوة نووية معتبرة، إلا أن قدرتها على مواجهة روسيا منفردة أو حتى قيادة تحالف أوروبي في حرب واسعة النطاق تبدو محدودة. فعدد الجيش الفرنسي يبلغ حوالي 200 ألف جندي فقط، مقارنة بملايين الجنود الروس، كما أن الترسانة النووية الفرنسية، رغم قوتها، لا تقارن بتلك الروسية، التي تضم أكبر مخزون من الأسلحة النووية في العالم.
كيف ردت روسيا على تهديدات ماكرون؟
على عكس المتوقع، لم يأتِ الرد الروسي عنيفًا كما هو معتاد، بل جاء متزنًا وهادئًا، وهو ما قد يفسر بطريقتين:
1. عدم رغبة موسكو في تصعيد الموقف حاليًا، خاصة أنها تركز على عملياتها العسكرية في أوكرانيا ولا تريد فتح جبهات أخرى.
2. التقليل من أهمية تصريحات ماكرون، واعتبارها مجرد محاولة سياسية لاستعراض القوة دون أن تعكس تغييرًا حقيقيًا في التوازنات العسكرية.
لكن رغم الهدوء الروسي، لا يمكن استبعاد أن موسكو قد تتخذ إجراءات انتقامية غير مباشرة، مثل تعزيز وجودها العسكري في مناطق حساسة، أو حتى اللجوء إلى حرب اقتصادية ضد أوروبا من خلال تقييد صادرات الطاقة والموارد الاستراتيجية.
هل نحن أمام بداية حرب عالمية ثالثة؟
رغم التصعيد المتبادل، إلا أن سيناريو اندلاع حرب عالمية ثالثة لا يزال غير مرجح في المدى القريب. فحتى لو تصاعد التوتر بين فرنسا وروسيا، فإن حلف الناتو لا يزال يشكل درعًا قويًا يمنع أي مواجهة مباشرة. كما أن حتى أشد المتشددين في أوروبا لا يرغبون في الدخول في حرب نووية مدمرة.
لكن في المقابل، فإن التصريحات النارية لماكرون تشير إلى أن أوروبا تدخل مرحلة جديدة من المواجهة مع روسيا، وهي مواجهة قد تتطور بمرور الوقت إلى سباق تسلح أوروبي روسي جديد، أو حتى تدخل مباشر في النزاع الأوكراني عبر إرسال قوات أوروبية لحفظ السلام، وهو ما قد يزيد من احتمالية الاحتكاك العسكري المباشر مع روسيا.
تصريحات ماكرون تعكس تحولًا استراتيجيًا في الموقف الأوروبي، لكنها لا تعني بالضرورة أن الحرب العالمية الثالثة أصبحت وشيكة. فبينما تسعى فرنسا إلى تعزيز مكانتها القيادية في أوروبا، تبقى التحديات العسكرية والاقتصادية كبيرة. في المقابل، تواصل روسيا استراتيجيتها الهادئة في التعامل مع التصعيد الأوروبي، معتمدة على الوقت والتوازنات الدولية لتحقيق أهدافها.
لكن في ظل غموض الموقف الأمريكي، واحتمالية انسحاب واشنطن جزئيًا من الناتو في حال عودة ترامب إلى الحكم، فإن القارة الأوروبية قد تجد نفسها أمام واقع أمني جديد، يجعل الحرب خيارًا أكثر قربًا مما يظن الكثيرون.





