
«الناس جميعا خلقوا سواسية»، كان ذلك جوهر ما تضمنه إعلان الاستقلال الذي صاغه توماس جيفرسون، في الرابع من شهر يوليو عام ١٧٧٦، حيث إعلان مولد الولايات المتحدة الأمريكية.
إلا أن النص فقد حيويته وحركته، بعدما ابتعدت السياسية الأمريكية عن مرمى المحاولات الجادة للتنفيذ؛ إذ ينظر صناع القرار الأمريكي اليوم إلى الشعب الفلسطيني على أنه ليس «سواسية» مع الإسرائيليين، وليس له الحق في الحياة، ولا حق في الحرية، بل تحولت الدولة الكبرى إلى أداة فاعلة في كبح التحرر وإماتة الحياة لدى أصحاب الحق والأرض.
وكان ذلك عبر «دولة مرشوقة» عمدت خلال ١٠ شهور إلى تنفيذ أكبر جريمة إنسانية في حق شعب أعزل حرم من كل أشكال وصور الحياة، وسقط منه شهداء وجرحى ومفقودين تخطى حرب الـ٤٨ بعدة أضعاف.
ومثلت السياسة الأمريكية المتبعة منهجاً معبراً عن الازدواجية في المواقف والقرارات؛ إذ وفرت الولايات المتحدة دعما كبيرا لإسرائيل في السياسة والمال والمساعدات العسكرية. في الوقت نفسه، الذي ادعت فيه أنها تسعى إلى دفع القادة الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب إلى يوم يمكن فيه أن يعيشوا معًا بسلام.
فضلاً عن تكرار ترديد رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية لضرورة حل الدولتين ومنح الشعب الفلسطيني – صاحب الحق – في دولة ذات حدود وحقوق بما يتوافق مع ميثاق أمريكا نفسها، الذي هو جزء لا يتجزأ من طبائعهم بحسب ادعائهم.
بينما الواقع المعبر عن لحظة من الانكشاف السياسي، يعكس كليا ما يعبر عنه هؤلاء الرؤساء؛ إذ دأبت الولايات المتحدة على منع محاولات في الأمم المتحدة لترقية وضع فلسطين من مراقب إلى عضو.
ولا اعترفت كغيرها من الدول الغربية مثل إسبانيا وأيرلندا والنرويج بالدولة الفلسطينية في مايو 2024 ليصبح عدد الدول التي قامت بذلك مائة وأربعا وأربعين، ليست الولايات المتحدة منها.
المفارقة الأخرى، من داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؛ فبينما ضجت الشوارع بآلاف المحتجين في واشنطن ونيويورك بمظاهرات داعمة إلى فلسطين وضرورة تحرر أبنائها من قمع الاحتلال، إلا أن أصواتهم وَأَدَت عمدًا وصُدر مكانها مشهد الاحتفاء المزيف باستقبال المجرم نيتنياهو في «الكونجرس» في يوليو الماضي، وتصويره بأنه «البطل والمنقذ»، رغم أنه ليس أكثر من مجرد مجرم حرب مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية.
ولعل هذه المفارقات، تكشف بشكلٍ واضح طبيعة تلك العلاقة الحيوية بين أمريكا وإسرائيل، وما يلعبه اللوبي الصهيوني من دور بارز في الانتخابات الأمريكية بكل صورها ومراحلها.
وحتى عندما قرر الرئيس الأمريكى السابق جو بايدن، تجميد صفقة دخائر وقنابل لإسرائيل، احتجاجًا على دخولها إلى معبر رفح فى قطاع غزة المحتل، إلا أن ذلك القرار قوبل من غالبية أعضاء الكونجرس برفض قاطع بما يعبر عن نهج الاستمرار في الموافقة شبه الكاملة عن السياسات الإسرائيلية.
وبالعودة إلى المسار التاريخي لهذا التعامل الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية وما يطرحه القادة العرب في هذا الإطار، ستجد أنه لا فرق بين رئيس أمريكي وآخر، وأن الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل فريضة لا غنى عنها في الحاضر أو المستقبل.
ومع وصول الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى السلطة، توسم الكثيرون أنه قد يكون قادرًا على إنهاء هذه الأزمات عبر توجهاته المختلفة عن الإدارات السابقة. إلا أن الوقائع أثبتت عكس ذلك، إذ تحولت سياسته إلى دعمٍ غير مشروط لإسرائيل، وانحراف واضح عن أي مسار حقيقي للسلام.
بلغت هذه السياسة ذروتها في التعامل مع القضية الفلسطينية، حيث لم تقتصر على الانحياز التقليدي لإسرائيل، بل امتدت إلى الترويج لمخططات تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم، مستخدمًا ستار إعادة الإعمار كأداة لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في غزة، بما يتماشى مع لرؤية الإسرائيلية الرامية إلى تفريغ الأرض من سكانها.
وعقب الدمار الهائل الذي شهدته غزة نتيجة العدوان الإسرائيلي، طُرحت قضية إعادة الإعمار كضرورة إنسانية، إلا أن الإدارة الأمريكية تحت قيادة ترامب لم تتعامل معها من هذا المنطلق، بل استخدمتها كورقة ضغط سياسي تهدف إلى فرض حلول لا تتفق مع الحقوق الفلسطينية المشروعة.
ومن منظور سياسي، لم يكن نهج ترامب في التعامل مع القضية الفلسطينية مجرد خطأ في التقدير السياسي، بل كان جزءًا من استراتيجية أوسع تستهدف تحقيق مكاسب داخلية وخارجية.
حيث استغل ترامب الدعم المطلق لإسرائيل لتعزيز علاقته بالقوى اليمينية في الولايات المتحدة، وخاصة اللوبي الصهيوني والجماعات الإنجيلية الداعمة لإسرائيل**، مما ساعده على تأمين دعم سياسي قوي خلال فترته الرئاسية.
كما سعى إلى إعادة تشكيل معادلة الصراع في الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الإسرائيلية، حتى لو كان ذلك على حساب الفلسطينيين، وهو ما ظهر بوضوح في صفقة القرن التي قدمت تصورًا منحازًا بالكامل لإسرائيل، وأهملت تمامًا الحقوق الفلسطينية.
وما بين الشعارات والواقع، لم يكن ترامب صانعًا للسلام كما رُوّج له، بل لعب دورًا رئيسيًا في تعقيد الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وزيادة حدة التوتر في المنطقة.
في مقابل هذه التحركات، تبنت مصر موقفًا حاسمًا ورافضًا لأي محاولات لفرض واقع جديد على الفلسطينيين، إدراكًا منها أن أي تهجير قسري لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر في المنطقة، وخلق أزمات سياسية وأمنية يصعب احتواؤها.
عملت الدبلوماسية المصرية على توحيد الصف العربي لمواجهة هذه المخططات، حيث أكدت القاهرة مرارًا على ضرورة تنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار بشكل كامل، ودعم جهود إعادة إعمار غزة بطريقة تضمن بقاء الفلسطينيين في أراضيهم. كما شددت على ضرورة التمسك بحل الدولتين كإطار وحيد لحل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، وفق قرارات الشرعية الدولية وحدود 1967.





