
في خضم التحولات الجيوسياسية والعسكرية التي شهدها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) خلال العقد الأخير، أصبحت إفريقيا، بما تمتلكه من نقاط ضعف وفرص، مركزًا جديدًا لنشاط التنظيم.
ومع تفكك “الخلافة” المزعومة في العراق وسوريا، تحول التنظيم إلى استراتيجية أكثر مرونة ولامركزية، موجهًا أنظاره نحو القارة السمراء في هذا السياق، يبرز اسم عبد القادر مؤمن، الزعيم الصومالي لداعش، كأحد الأركان الأساسية لهذا التحول.
عبر دوره في قيادة التنظيم في الصومال، استطاع مؤمن تحويل البلاد إلى مركز مالي ولوجستي يدعم عمليات التنظيم في مختلف أنحاء إفريقيا وخارجها.
عبد القادر مؤمن لم يكن دائمًا جزءًا من مشهد التطرف المسلح في إفريقيا وُلد في منطقة بونتلاند بشمال شرق الصومال، لكنه قضى سنوات طويلة في الغرب، حيث عاش في السويد وبريطانيا هناك، حصل على الجنسية البريطانية، واكتسب شهرة كواعظ في المساجد المتشددة بلندن وليستر لم يكن نشاطه محدودًا بالخطب المباشرة فقط، بل استغل الإنترنت لنشر رسائله المتطرفة، مما جعله شخصية بارزة في الأوساط المتشددة هذا الدور في الغرب شكل الأساس لعودته إلى الصومال في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث انضم في البداية إلى جماعة الشباب، وهي فرع القاعدة في الصومال مع ذلك، في عام 2015، اختار الانشقاق عن الجماعة وإعلان ولائه لتنظيم الدولة الإسلامية، ليبدأ فصلًا جديدًا في مسيرته.
مع عودته إلى الصومال، وجد عبد القادر مؤمن في بلاده بيئة مثالية لتوسيع نفوذ داعش تعاني الصومال من ضعف الحكومة المركزية، وعدم الاستقرار السياسي، وغياب السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، خاصة في المناطق الريفية هذا الفراغ الأمني أتاح للتنظيم أن ينشئ قواعد عمليات آمنة بعيدًا عن الضغوط الدولية، محولًا الصومال إلى نقطة انطلاق لأنشطته الإقليمية والعالمية ومع سيطرته على منطقة صغيرة نسبيًا في بونتلاند، استطاع مؤمن بناء شبكة قوية تعتمد على استغلال الموارد المحلية لتعزيز تمويل التنظيم.
تُعتبر تجارة الفحم واحدة من أهم مصادر تمويل التنظيم في الصومال تحت قيادة مؤمن. الفحم الصومالي، المعروف بجودته العالية، يتم تصديره بشكل غير قانوني إلى أسواق دولية، رغم العقوبات المفروضة من قبل الأمم المتحدة تُقدر أرباح التنظيم من تجارة الفحم بملايين الدولارات سنويًا، مما يجعلها مصدر دخل رئيسي لدعم عملياته إلى جانب ذلك، استفاد التنظيم من الأنشطة الإجرامية التقليدية في الصومال، مثل القرصنة البحرية عمليات الفدية الناتجة عن اختطاف السفن التجارية توفر تدفقات مالية إضافية، مما يعزز قدرة التنظيم على تمويل عملياته.
لكن نجاح عبد القادر مؤمن لا يتوقف عند تأمين الموارد المالية. فهو أيضًا يدير شبكة تمويل ولوجستيات تدعم الجماعات المسلحة الأخرى المرتبطة بداعش في القارة من أبرز الأمثلة على ذلك، قوات التحالف الديمقراطية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تحولت من حركة تمرد محلية إلى تنظيم جهادي متطرف بفضل الدعم المالي واللوجستي الذي يقدمه مؤمن كما ساعدت أموال التنظيم على تمكين التنظيمات الجهادية في موزمبيق وجنوب إفريقيا، مما جعل هذه المناطق ساحات جديدة للعمليات الإرهابية.
تحول تنظيم الدولة الإسلامية نحو إفريقيا لم يكن مجرد خيار تكتيكي، بل جاء استجابة لحقائق متغيرة على الأرض. مع تزايد الضغوط العسكرية والدولية على التنظيم في الشرق الأوسط، أصبحت إفريقيا خيارًا استراتيجيًا لتعويض الخسائر وإعادة بناء النفوذ القارة الإفريقية، بما تمتلكه من موارد طبيعية هائلة وضعف الحكومات المركزية، توفر بيئة مثالية للتنظيم. الصومال، على وجه الخصوص، تقدم نموذجًا واضحًا لهذا التحول، حيث يستغل التنظيم الفوضى السياسية والأمنية لتحقيق أهدافه.
الفراغ الأمني في العديد من الدول الإفريقية ليس فقط ما يجعل القارة جاذبة لداعش، بل أيضًا الفقر والبطالة المنتشران في معظم أرجائها. هذه الظروف تجعل الشباب الإفريقي عرضة للتجنيد من قبل التنظيم، حيث يستخدم داعش الخطاب الديني لاستقطاب هؤلاء الشباب واستغلال مشاعر التهميش واليأس التي يعانون منها. هذه الاستراتيجية ساهمت في تعزيز قدرة التنظيم على جذب المجندين وزيادة نفوذه في القارة.
تحول التنظيم نحو إفريقيا يتزامن مع إعادة تشكيل ديناميكيات القيادة داخله في الماضي، كانت القيادة المركزية لداعش تتركز في شخصيات ذات رمزية قوية في الشرق الأوسط، مثل أبو بكر البغدادي لكن مع تصاعد الضغوط على هذه القيادة، بدأ التنظيم يعتمد على قادة ميدانيين محليين يتمتعون بالكفاءة في إدارة الموارد وبناء الشبكات عبد القادر مؤمن يمثل هذا النهج الجديد، حيث يجمع بين القدرة على تأمين التمويل وإدارة العمليات بشكل فعال.
دور مؤمن يتجاوز كونه مجرد قائد محلي. فهو يمثل نموذجًا لزعيم قادر على توسيع نفوذ التنظيم في منطقة مليئة بالتحديات والفرص من خلال تحويل الصومال إلى مركز مالي ولوجستي، أصبح مؤمن شخصية محورية في استراتيجية داعش الجديدة، مما يعكس تحول التنظيم نحو نهج أكثر لامركزية هذا النهج يمنح التنظيم مرونة أكبر في مواجهة الضغوط الدولية، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات جديدة تتعلق بتوحيد الرؤية الاستراتيجية للتنظيم على مستوى عالمي.
رغم دوره الكبير، يواجه عبد القادر مؤمن عقبات تتعلق بالتقاليد الأيديولوجية للتنظيم داعش طالما تمسك بمبدأ أن الخليفة يجب أن يكون عربيًا ومن نسب هذا المعيار يجعل من الصعب أن يتولى مؤمن منصب الخليفة الرسمي، لكن تأثيره العملي على الأرض يجعله واحدًا من أكثر الشخصيات نفوذًا داخل التنظيم قدرته على إدارة الموارد وبناء الشبكات تعزز مكانته كأحد أعمدة داعش في إفريقيا.
في ظل استمرار التحولات الاستراتيجية داخل التنظيم، تبدو إفريقيا في قلب هذه الديناميكيات الجديدة. توسع داعش في القارة يعكس ليس فقط تراجع نفوذه في الشرق الأوسط، بل أيضًا قدرته على التكيف مع الظروف المتغيرة واستغلال الفرص الجديدة مع استمرار عبد القادر مؤمن في لعب دوره القيادي، من المرجح أن يزداد تأثير داعش في إفريقيا، مما يطرح تساؤلات حول تداعيات هذا التحول على استقرار القارة ومستقبل التنظيم.
صعود عبد القادر مؤمن يظهر أن تنظيم الدولة الإسلامية لم ينتهِ، بل يعيد تشكيل نفسه وفقًا للظروف الجديدة من خلال استغلال نقاط الضعف في إفريقيا وبناء شبكات تمويل معقدة، يستمر التنظيم في توسيع نفوذه هذا التحول نحو إفريقيا يمثل تحديًا جديدًا للمجتمع الدولي، حيث يتطلب مواجهة شاملة تأخذ في الاعتبار الجوانب الأمنية والتنموية
السؤال الأهم الآن: هل يمكن لعبد القادر مؤمن أن يصبح رمزًا لنموذج جديد لقيادة داعش، وكيف يمكن للمجتمع الدولي أن يتعامل مع هذا التحدي المتنامي ؟




