Thursday، 05 March 202610:15 PM
اشتباك

«أنت لقيط».. رصاصة في قلب الأطفال «مجهولي النسب»

السبت، 21 ديسمبر 2024 05:45 مساءً
«أنت لقيط».. رصاصة في قلب الأطفال «مجهولي النسب»
مجهولي النسب
15

“أنت لقيط!”.. الكلمة التي تقتل آلاف المرات، تُطلق هذه العبارة كرصاصة تخترق أرواح الأطفال مجهولي النسب، لتذكرهم بجرح لا يلتئم، ووصمة لم يكن لهم أي يد في صنعها.

يجيئون إلى هذا العالم دون ذنب، ليواجهوا نظرات الاتهام، والتنمر، والنبذ المجتمعي الذي يطاردهم في كل خطوة.

هذه الكلمات تعكس واقعًا مؤلمًا يعيشه الكثير من الأطفال مجهولي النسب، الذين يعانون من نبذ المجتمع ووصمة “اللقيط”، ويواجهون حياة مليئة بالتحديات النفسية والاجتماعية محرومين من أبسط حقوقهم الإنسانية وهي العاطفة والشعور بالانتماء.

نتاج لسوء التصريف مع اختلال القيم

ويقول الإخصائي النفسي الدكتور وليد هنداوي، إن التشرد والانحراف والجريمة عبارة عن ظواهر مجتمعية شديدة الخطورة ولكن هناك مظاهر أشد وطأة منها في الخطورة والقوة على رأسها الولادة غير الشرعية.

وأضاف “هنداوي” في تصريحاته لـ”سياسة بوست” أنه طالما هناك ولادات غير شرعية سيكون هناك أطفال معرضون للجنوح والجريمة والاستغلال والانقياد والتوجيه لمخاطر وشرور الأمور، موضحًا أن الولادات غير الشرعية ظاهرة يدفع ثمنها أطفال أبرياء نتاج سوء تصريف للطاقة “الجنسية” لدى البعض مع اختلال قيمهم الأخلاقية بالإضافة لغياب الضمير وانعدام النوازع الانسانية.

 

الدكتور وليد هنداوي
الدكتور وليد هنداوي

“أنت لقيط”.. مأساة مجهولي النسب

وأوضح، أن ظاهرة مجهولي النسب من الظواهر المسكوت عنها في المجتمعات العربية وإن كانت الأرقام تشير إلى أنها في زيادة مطردة، حيث في مصر على سبيل المثال في عام 2011 وصل عدد الأطفال مجهولي النسب إلى 3780 طفلا، وفي عام 2014 زاد العدد ليصل لـ 3920 طفلا، وفي أخر إحصائية تمت عام 2019 وصل العدد إلى 4095 طفلا.

وأكمل، هؤلاء الأطفال يعانون من أمور عديدة أهمها النبذ المجتمعي حيث لا يحظى بحياة سوية سواء في العمل أو حياة أسرية، مستشهدًا بالمشهد الشهير من فيلم “الخطايا” للفنان عماد حمدي، والفنان عبد الحليم حافظ، عندما قيل لعبد الحليم “أنت لقيط” متابعًا ” كلنا شوفنا الفزعة الي كانت على وش عبد الحليم حافظ” موضحًا أنها تجسد مأساة مجهولي النسب والتي دائمًا وأبدا ما تكون ذات أثر نفسي صعب يقع عليهم.

وتابع أن أزمة النسب دائما ما تتسبب في نعتهم بأبشع الـألفاظ مثل أنت “ابن حرام” أو “ابن زنا”، ما يجعل هناك تدني في مفهومه نحو ذاته، كما أنه إذا حصل على عمل أو أصبح داخل مؤسسة يكون هناك قيود على تحركاته ولا يحصل على حريته الكاملة في النمو الاجتماعي والارتقاء النفسي، مضيفًا أنه دائم التعرض للعنف والإيذاء والإساءة حتى لو كان في أحد المؤسسات ويتم التعامل معه أنه لقيط ويعمل بلقمته ويمكن بسهولة الاستغناء عنه.

عرضًة للاستغلال.. سهل الانقياد

وأكد، أنه إذا لم يكن لديه مأوى ويسكن الشارع يصبح عرضًة للاستغلال الجنسي، وسهل الانقياد، سهل الإغراء ومن الممكن أن يتجه إلى الإدمان بإغرائه “بالكولة أو البنزين أو لف الأوراق وتدخينها كأنها سجائر” والتي تعد “كيف تحتاني” حسب وصف “هنداوي”، مضيفًا وفي بعض الأحيان إذا استضافته إحدى الأسر على سبيل الرعاية يتم الدفع به للعمل ليصبح موضع رزق لهذه الأسرة وهذا يعتبر شكلاً من أشكال العنف.

وأشار، إلى أنه إذا دخل إلى المدرسة يكون لديه مشكلات في التعلم وفقدان للهوية، كأنه يكون شخصا سلبيا و اعتماديا حيث أنه اعتاد على الشفقة والمساعدة من الآخرين، ويفشل في بناء العلاقات الاجتماعية، كما أنه يكون ضعيفًا في المسؤولية المجتمعية حيث لا يعرف المشاركة والدفاع عن الوطن.

اغتراب و اعتلال

وواصل أن الطفل مجهول النسب دائمًا ما يشعر بالاغتراب والاختلاف عن أطفال المجتمع، ودائم الشعور بعدم الاستقلالية حيث أنه دائم الشعور بأنه مراقب، وحتى إذا عاش مجهول النسب في أي بيئة أو أسرة دائمًا سيكون لديه اعتلال نفسي وصحي ومشكلات سوء التغذية مما يجعله معرضًا للتأزم النفسي والشعور بالإحباط كما أنه دائم الشعور بالعجز بسب عدم وجود سند أو داعم أو دفء اجتماعي.

ولفت، إلى أنه مع مرور الوقت ينتج عن كل الأمور السابقة سلوك عدواني من بداية المرحلة الإعدادية فما فوق ويمكن أن يتحول إلى مجرم اجتماعي لديه سلوك مضاد للمجتمع وينتقم من أي شخص يعيش لحظات استقرار، كما تكثر السرقة عند مجهولي النسب.

أيهما أقوي الوأد النفسي أم الجسدي؟

ويسترسل هنداوي، ” عند الحديث عن الأطفال مجهولي النسب دائما ما أتذكر الآية القرآنية (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)، حيث أن الوأد النفسي يكون أشد وطأة من القتل الجسدي، لذلك ففي المادة 70 من الدستور المصري نص على “أن لكل طفل فور الولادة الحق في الاسم المناسب ورعاية أسرية وتغذية ومأوى وخدمات صحية وتنمية دينية ووجدانية ومعرفية، حتى إنه نص على أن تكون الدولة ملتزمة برعايتة إذا فقد أسرته”، موضحًا أن مصر هي الدولة الوحيدة التي تلزم نفسها برعاية الأطفال في حالة فقدان الأسرة.

واستطرد لذلك أنشأت مصر عدة مؤسسات إيواء وبلغ ذروتها خلال ال8 سنوات الأخيرة حيث وصل عددها لـ 471 مؤسسة إيواء لاحتواء الأطفال مجهولي النسب عام 2019، متابعًا لذلك أنصح دائمًا بإعادة تأهيلهم وتعليهم الحرف، ومحاولة دمجهم في المجتمع عن طريق المشاريع الخيرية، ومشاركتهم بالأنشطة ورفع مفهومهم نحو ذاتهم ومنحهم الشعور بالاستقلالية عن طريق الدورات التدريبية للقائمين على العمل في المؤسسات الإيوائية.

كما يجب تحسين جودة حياته من خلال العلاقات المجتمعية والملابس المناسبة وزيارة المجتمع الخارجي والانفتاح عليه، ومن المهم وجود أخصائيين أكفاء للعمل علي تطوير مراحل النمو الاجتماعي لديهم، وسن تشريعات تنزل العقاب بأي شخص يستغل هؤلاء الأطفال أو المتاجرة بهم.

“الولاء والانتماء “.. مشكلة صعبة

من جانبه الدكتور جمال محمد فرويز، الاستشاري النفسي، إن مشكلة الأولاد مجهولي النسب هي “الولاء والانتماء”، وهي مشكلة صعبة جداً حيث أنه يشعر كأنه بلا وطن ولا هدف ولا شعور بالأمان ولا عاطفة، موضحًا أن الدولة توفر لهم أماكن للإقامة فيها طعام وملابس ومنام، لكن الشيء الوحيد الذي ينقصها العاطفة، لذلك دائما ما يشعرون بأن هناك شيئا ينقصهم في حياتهم أو أن هناك فجوة فيها.

وأضاف “فرويز” في تصريحاته لـ “سياسة بوست” أن هناك الكثير منهم يبحث عن أهله لتعويض شعوره بنقص الاطمئنان، مستشهداً بأحد الأولاد الذين يعرفهم، يقول عنه “فرويز” “إنه كان دائما مكتئبا مريضاً ولديه الكثير من المشاكل النفسية إلا أن عثر على أسرته وهي أسرة كبيرة وتغيرت حياته بشكل كبير بعدها”، موضحاً أن مشاكل الحياة لم تنتهِ ويعيش في سعادته البالغة لكن على الأقل استقر نفسياً.

 

الدكتور جمال محمد فرويز
الدكتور جمال محمد فرويز

ليس المرء من قال هذا أبي لكن المرء من قال هذا أنا

وواصل، كما أن هناك بعض الشباب الذين تقابلت معهم في مختلف المناسبات كانوا يعانون من مسألة النسب والزواج حيث أنه كان يتم رفضهم بسبب أنهم مجهولو النسب، ويقال لهم بالنص حسب قوله”أنا ذنبي إيه أدي بنتي لواحد ملوش أهل”، معلقًا على هذا الأمر بقوله: “ليس المرء من قال هذا أبي لكن المرء من قال هذا أنا”.

وأكمل، أن هؤلاء الأشخاص عندما يجدون شخصاً يحتويهم أو يربيهم ويحتويهم ويعثرون على قوة حياتيه وتأخذهم الحياة بصيغة طيبة بالتالي يتعايشون بصيغة طيبة، أما الذين يفتقدون مثل هذه الأمور تكون الحياة بالنسبة لهم مليئة بالصعوبات وخصوصاً الولاء والانتماء للمكان، حيث نبحث جميعاً عنه وعندما نفتقده نشعر بأننا فقدنا الكثير من الأشياء.

من “بطن الضغوط”

وأشار إلى أن الكثير منهم يكون مبدعاً وعبقريا، وكما يقال إن الإبداع يخرج من “بطن الضغوط”، حيث عندما يكون هناك شعور بالنقصان يقوم بتعويض الأمر في العمل بكل الوظائف لمجرد أن لديهم بعض الإصرار على النجاح.

وأكد، أن أفضل طريقة لدعم مجهولي النسب هو العاطفة، موضحاً أن الدولة والجمعيات الأهلية توفر دور رعاية لهم، وهي توفر لهم كل ما هو مطلوب في هرم الاحتياجات والذي يتكون من المأكل والمشروب والمنام، ويتم نسيان أهم شيء به وهي العاطفة.

لا يتم اختيار الملائمين

وأوضح، أنه لا يتم اختيار الأشخاص الملائمين للعمل في دور الأطفال معتبراً أن الأمر مصيبة، لافتاً إلى أن أغلب من يعملون فيها يأتون من بعض القرى المعروفة والضواحي للعمل “أكل العيش” وليس لرعاية أطفال تحتاج إلى الأمومة والأبوة.

ولفت، إلى أنه أقترح في العديد من المرات أن يتم دمج دور المسنين مع دور الأطفال مجهولي النسب، موضحاً أنه ليس كل من في دور المسنين أشخاص لديهم إعاقات جسدية أو حسية وكثير منهم بصحة جيدة ويبقون في دور المسنين لأنهم ليس لديهم أسرة ولكن لديهم عاطفة جياشة يريدون إخراجها والأطفال يحتاجون إلى تلك العاطفة.

واستطرد، أنه يجب فقط أن نحسن اختيار من يصلح في دار المسنين أن يرعى الأطفال فسوف تكون هناك صورة رائعة من هذا الأمر.

تختلف من أم لآخري

وحول الحالة النفسية لوالدة الطفل مجهول النسب قال فرويز، إنها تختلف من أم لأخرى، حيث ترفض بعض الأمهات الحوامل أطفالهم وهذا طبيعي لأنها تشعر أنه العار بالنسبة لها وكثيراً ما رأينا قصصاً كارثية حول هذا الأمر.

وأضاف، هناك من كانت ترتبط بشخص أو تحبه وحدث حمل وتخلي عنها بطريقة أو بأخرى تتعلق بالطفل لأنه ابنها، وعلى النقيض فمن تعرضت للاغتصاب ترفض الطفل وتواجده.

حق الحياة

وأكمل، يصعب بشكل كبير دعم هؤلاء الأمهات حيث أنها بالفعل تشعر بالعار، مشيراً إلى أن مثل هؤلاء الأطفال ضحاية لا ذنب له في أي شيء، حيث أنه نتاج لعلاقة بين طرفين غير متأكدين من صحتها، مؤكدًا في النهاية أن للطفل مجهول النسب حق الحياة مثله مثل أي مصري، وله كل الحقوق وعليه كل الواجبات.